الجمعة، يونيو 12، 2026

 

كل قرار نتخذه في الحياة له ثمن ينبغي دفعه

بعض القرارات يا صديقي ثمنها الحياة ذاتها

أيمكنني الدفع؟

سؤالي ليس تهربا

تعرف كم أشتهي الدفع عاجلا

لكن يا صديقي كيف أتنازل عن شيء لا أملكه؟

ذاك الثمن الذي تطالبني بدفعه لا أملكه

لم أحيا كما ينبغي

كل لحظة عشتها بالإكراه

ابتداءً من لحظة وصولي إلى هذا العالم

وحتى هذا الحرف الذي أكتبه

مولدي

طفولتي

زواجي

أمومتي

كلها ما كان لي فيها قرار

لذا لم أكن مطالبة بدفع أي ثمن

حتى كان لقائنا الأخير

يومها طالبني باتخاذ قرار واضح

وقررت!!

سنوات وأنا أتخبط بعشوائية في هذا العالم

رغم الضياع والخوف كنت أعلم أنه موجود

كنت أعلم أنني إن لجأت لأحضانه نلت الحماية

عشت في ظلام موحش

وكان هو النور الذي يبدد كل ظلمة بكلمة منه

مهما غبت عنه

مهما قسوت عليه

كان الحاضر الذي لا يغيب

كان العطف الذي لا يقسو

الآن فقط عرفت سر قوتي في احتمال الجحيم الذي أحرقني لسنوات

كان هو قوتي

ثقتي بوجوده كانت حصانتي

كان يكفيني تذكر ملامحه الجميلة لأنجو

كلما مزق الحزن قلبي تذكرت ابتسامته

كلما شل الخوف قدرتي على التفكير استحضرت صوته

كلما نهشت الوحدة روحي تنفست رائحته

لم أعرف يوما سواه رجل

ملك روحي

وقلبي

ودمي

أحببته طفلة

كبرت على عشقه

تشربت وجوده بكل خلية من خلاياي

رغم افتراقنا تشبثت بذكراه كي لا أسقط

كان يقيني أنني يوما سأعود لأحضانه كفيلا بجعلي أقف بجبروت في وجه الحياة البشع

كانت ثقتي بأنني سأعود تحت جناحه يوما كفيلة بحمايتي من كل تهور وعشوائية

لكنه قرر نفيي بدون أي مقدمات!!

صرخ بي أن قرري الآن ؟!!

ورحل دون أن يلتفت وراءه لمرة فقط

اليوم أنا بلا حصانة تحميني من تبعات هذا القرار

لأول مرة أشعر أني مفرغة

حالة شرود مطلق أعيشها منذ رحل

أشعر بغرابة تجاه كل شيء

عالمي بأكمله انهار

أريد أن أبكي

أن أصرخ

أن أحطم كل شيء

لكن لا يوجد أي رد فعل لدي؟!!!

يراودني ذات الشعور الذي عشته يوم غادرنا منزلنا الذي جردنا منه ذاك المدعو والدي

يومها رأيت العالم بأكمله يتساقط أمامي

وحتى هذه اللحظة ما زلت أعاني مما حدث

تراك فهمت يا صديقي لما لا يمكنني الدفع؟

قل لي يا صديقي ما العمل الآن؟

كيف أكمل وأنا مجردة من كل شيء؟

كيف يستوعب عقلي أنه ما عاد هنا؟

قل لي يا صديقي

أيحق لي أن أسرع إليه أطلب عفوه؟

أأخبره أني نادمة على قراري؟

أأعترف له أني ما نجوت إلا به؟

أتدري يا صديقي ماذا فعلت به؟

أخبرني أنه يتنفس كل حرف لي لأنه له، لحظتها نسفت يقينه بأكمله وأخبرته أني لا أكتب له!!

لما قلت له ذلك؟

آلمته جدا يا صديقي

ليته يعلم أني ما كتبت حرفا إلا له

ليته يعلم يا صديقي أنه لغتي وأنفاسي

دلني يا صديقي كيف أنجو وما عدت إليه أنتمي؟

قبل ساعة يا صديقي جاءت والدتي لزيارتي  

تحدثنا في مواضيع كثيرة لكنها دون أي مناسبة سألتني عنه

لم أعتد اخبارها عن شيء يخصني أنا وهو لأنها دوما تحثني على نسيان الماضي والمضي قدما في حياتي

لكنها الليلة سألتني عنه بشكل مباشر

وجدتني أخبرها بكل ما كان

قلت لها قتلته يا أمي وأنا التي نزفت

قالت لي أنها شعرت أن ثمة خلاف بيننا؟!

تفاجأت يا صديقي أن والدتي طيلة هذه السنين تعلم أنه هنا

وعادت تطلب مني أن أنسى

هنا بكيت يا صديقي

وأقسمت لها

أني لن أنساه حتى تنساني الحياة

بكيت وأنا أخبرها كيف أنه معي في كل لحظة

أخبرتها كم أتخيل وجوده هنا في منزلي

نرتب هذه الغرفة سويا

نعد القهوة على صوت فيروز

نشاهد فيلما ونحن نستلقي في الصالة بفوضوية

بكيت وأنا أشرح لها وجع المساء دونه

وفجيعة الصباح دونه

بكيت وأنا أحدثها عن جنوننا تحت المطر

وكيف أنه حين رحل بات المطر رعبا بالنسبة لي

بكيت وأنا أريها بصماته في عالمي

تلك تحفة أهداني إياها

تلك دمية أهداني إياها

وتلك اللوحة أهداني إياها

وغيرها الكثير والكثير من الذكريات التي تركها ورحل

بكيت وأنا أعترف لها أني ما زلت أحتفظ بملابسه

برسائله

بأشيائه

كم أشعر بالراحة الآن يا صديقي لأني تمكنت من التحدث عنه

تمكنت من مشاركة وجعي

هي راحة مؤقتة

لا بأس

المهم أن ثمة أحد عرف برحيله

ليس من العدل أن أحتفظ بكل هذا الألم وحدي

يا صديقي سأتركك الآن

سأغيب لفترة

أحتاج بعض الوقت لأتقبل الوضع الجديد

لأصدق مرغمة أنه تخلى عني

لا أعدك بشيء يا صديقي

قد أعود قريبا بكل تشوهاتي

وقد لا أعود

ربما أجد الشجاعة أخيرا وأدفع ثمن قراري الوحيد

ربما

 

ناديا الشراري

12 يونيو 2026

 

له

(خبروه أني على وصله حييت)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الأربعاء، يونيو 10، 2026

 

كان المكان يضج بالحركة لحظة وصولها

دخلت المقهى بخطوات تتلهف الهروب

قلبت بعينيها الوجوه المتناثرة أمامها

استقر نبضها لحظة تعرفها على ملامحه

هناك في الزاوية يجلس صامتا

جلست على المقعد المقابل له

تشاركا القهوة والصمت!

مع كل رشفة تحتسي عيناها تفاصيل وجهه المحبب

وغادرته

هذه المرة خطواتها ثقيلة

هل افترقنا؟!

توقفت للحظة أمام سيارتها

التفتت اليه

(اريد احتضانه)

ومضى كلا منهما في طريق

قادت سيارتها على طرقات لا وجهة لها

(لماذا لم احتضنه؟ عند الوداع كل شيء مباح)

توقفت على جانب الطريق

امسكت بهاتفها

جاء صوته كرائحة وطن عصفت بحنين مغترب

بكلمات موشومة بالهزيمة همست له

(انا بحبك،عمري ما حبيت غيرك،وراح اموت وما في بقلبي الا انت،لكن مستحيل أكون معك!)

سقط الهاتف من يدها

سقطت هي في جحيمها

اخترق صراخها حاجز الصمت

.......

جاء الصباح مثقلا بالخيبات

حدقت في السقف طويلا

تجتر ذاكرتها السنوات التي تلت فراقه

هل افترقنا؟!

لا يزال هذا السؤال يطعن روحها منذ رأته في الأمس

نهضت من على سريرها

بدأت تمارس يومها بتلقائية ساذجة

عالقة هي في دوامة التفاصيل المقيتة

لا طاقة لديها اليوم للتعاطي مع البشر

أبلغت مديرتها أنها اليوم في إجازة

واختبأت تحت اغطيتها!!

هل افترقنا؟!

ثمة مشاعر لا يمكن ترجمتها

ثمة آلام لا يمكن وصفها

اليوم تعيش هي كل ما لا تعريف له

أنهكها البحث عن مسميات تضع مشاعرها وآلامها ضمن إطار محدد

حملت نفسها بما تبقى لها من طاقة

راحت تمشط الطرقات بعشوائية

وانتهى بها المطاف في منزل والدتها!

يُفترض بنا ألا نُصَدِر لأمهاتنا أي إشارة تثير القلق في نفوسهن

لكن لليوم فقط ستتغاضى عن حماية والدتها

قرأت في عيني والدتها ألف سؤال

المعلن الوحيد (شو صاير معك؟)

كيف ستشرح لأمها أن الإجابة عن هذا السؤال تحتاج طاقة لا تملكها

هل يمكنها الاكتفاء بـ لا شيء كإجابة؟

(لما أنا هنا؟ تبا كيف أغادر كأن لا شيء كان؟)

(تشربي قهوة؟) سألت والدتها وقبل أن تتلقى الإجابة كان البكرج يغلي على النار

سكبت القهوة وهي تحاول عبثا أن تبتسم

نظرت لوالدتها وقالت بصوت يرتجف

(في سؤال محتاجه اجابته بدون أي تجميل،ندمتي لانك اخترتي امومتك على حساب حياتك؟)

ولأنها أمي التي أعرفها لم تمنحني إجابة تدلني الى الصواب!

قبلت والدتها وغادرت

هل  افترقنا؟!

وقع الفراق الآن؟

ألم نكن قيد فراق منذ سنوات؟

لما أشعر أننا افترقنا بالأمس فقط؟

للفراق مذاهب

هناك من نفارقه جغرافياً وبرغم المسافات يبقى الأقرب

هناك من نفارقه شعوريا وبرغم التواجد معه تحت سقف واحد هو الأبعد

أنا وهو تفارقنا مكانيا وزمانيا

لكننا لم نفترق للحظة

كنا على يقين أن اللقاء قريب مهما بعد.

بالأمس سقط كل شيء

بالأمس وقع الفراق حرفيا!؟

...............

في المقهى جلست تسترجع فلسفة والدتها

كانت فكرتها الرئيسية أن تنازل الانسان عن حقه في عيش الحياة كما يبتغي في سبيل أي شيء خطيئة كبرى

(إذا كانت هي نفسها ارتكبت الخطيئة ؟!)

لماذا نقع في فخ الاختيار؟

ولما جميع الاختيارات موجعة؟

هي وجدت نفسها أمام خيارين كلاهما جحيم

إما أن تكون الأم أو تكون المرأة؟

ولأنها أم اختارت التضحية بالمرأة التي تستغيث النجاة لأنها أم اعترفت بشرعية الفراق

فراق من تعلم أن الحياة بعده محض احتضار

................

وافترقنا حقا

لا مكان سيجمعنا

لا زمان سيعترف بنا

وأعلم

وتعلم أنت

أننا سنلعن قرارنا

ونلعن اختياراتنا

كنا نراوغ الفراق طيلة سنوات

نتحايل عليه بلقاءات عابرة

برسائل يتيمة

كنا نماطل انعتاق ارواحنا من عهد قيدنا لسنوات

وافترقنا حقا

مرارة هذا اليقين قاتلة

لكن هي الحقيقة التي لا شك ينقضها

كل ما أخشاه يا رفيق الروح

لحظة أن نلفظ آخر نفس

أن يكون الندم

 

ناديا الشراري

10 يونيو 2026م

 

براءة ذمة

وحدك الرجل الذي اليه أنتمي