الأربعاء، يونيو 10، 2026

 

كان المكان يضج بالحركة لحظة وصولها

دخلت المقهى بخطوات تتلهف الهروب

قلبت بعينيها الوجوه المتناثرة أمامها

استقر نبضها لحظة تعرفها على ملامحه

هناك في الزاوية يجلس صامتا

جلست على المقعد المقابل له

تشاركا القهوة والصمت!

مع كل رشفة تحتسي عيناها تفاصيل وجهه المحبب

وغادرته

هذه المرة خطواتها ثقيلة

هل افترقنا؟!

توقفت للحظة أمام سيارتها

التفتت اليه

(اريد احتضانه)

ومضى كلا منهما في طريق

قادت سيارتها على طرقات لا وجهة لها

(لماذا لم احتضنه؟ عند الوداع كل شيء مباح)

توقفت على جانب الطريق

امسكت بهاتفها

جاء صوته كرائحة وطن عصفت بحنين مغترب

بكلمات موشومة بالهزيمة همست له

(انا بحبك،عمري ما حبيت غيرك،وراح اموت وما في بقلبي الا انت،لكن مستحيل أكون معك!)

سقط الهاتف من يدها

سقطت هي في جحيمها

اخترق صراخها حاجز الصمت

.......

جاء الصباح مثقلا بالخيبات

حدقت في السقف طويلا

تجتر ذاكرتها السنوات التي تلت فراقه

هل افترقنا؟!

لا يزال هذا السؤال يطعن روحها منذ رأته في الأمس

نهضت من على سريرها

بدأت تمارس يومها بتلقائية ساذجة

عالقة هي في دوامة التفاصيل المقيتة

لا طاقة لديها اليوم للتعاطي مع البشر

أبلغت مديرتها أنها اليوم في إجازة

واختبأت تحت اغطيتها!!

هل افترقنا؟!

ثمة مشاعر لا يمكن ترجمتها

ثمة آلام لا يمكن وصفها

اليوم تعيش هي كل ما لا تعريف له

أنهكها البحث عن مسميات تضع مشاعرها وآلامها ضمن إطار محدد

حملت نفسها بما تبقى لها من طاقة

راحت تمشط الطرقات بعشوائية

وانتهى بها المطاف في منزل والدتها!

يُفترض بنا ألا نُصَدِر لأمهاتنا أي إشارة تثير القلق في نفوسهن

لكن لليوم فقط ستتغاضى عن حماية والدتها

قرأت في عيني والدتها ألف سؤال

المعلن الوحيد (شو صاير معك؟)

كيف ستشرح لأمها أن الإجابة عن هذا السؤال تحتاج طاقة لا تملكها

هل يمكنها الاكتفاء بـ لا شيء كإجابة؟

(لما أنا هنا؟ تبا كيف أغادر كأن لا شيء كان؟)

(تشربي قهوة؟) سألت والدتها وقبل أن تتلقى الإجابة كان البكرج يغلي على النار

سكبت القهوة وهي تحاول عبثا أن تبتسم

نظرت لوالدتها وقالت بصوت يرتجف

(في سؤال محتاجه اجابته بدون أي تجميل،ندمتي لانك اخترتي امومتك على حساب حياتك؟)

ولأنها أمي التي أعرفها لم تمنحني إجابة تدلني الى الصواب!

قبلت والدتها وغادرت

هل  افترقنا؟!

وقع الفراق الآن؟

ألم نكن قيد فراق منذ سنوات؟

لما أشعر أننا افترقنا بالأمس فقط؟

للفراق مذاهب

هناك من نفارقه جغرافياً وبرغم المسافات يبقى الأقرب

هناك من نفارقه شعوريا وبرغم التواجد معه تحت سقف واحد هو الأبعد

أنا وهو تفارقنا مكانيا وزمانيا

لكننا لم نفترق للحظة

كنا على يقين أن اللقاء قريب مهما بعد.

بالأمس سقط كل شيء

بالأمس وقع الفراق حرفيا!؟

...............

في المقهى جلست تسترجع فلسفة والدتها

كانت فكرتها الرئيسية أن تنازل الانسان عن حقه في عيش الحياة كما يبتغي في سبيل أي شيء خطيئة كبرى

(إذا كانت هي نفسها ارتكبت الخطيئة ؟!)

لماذا نقع في فخ الاختيار؟

ولما جميع الاختيارات موجعة؟

هي وجدت نفسها أمام خيارين كلاهما جحيم

إما أن تكون الأم أو تكون المرأة؟

ولأنها أم اختارت التضحية بالمرأة التي تستغيث النجاة لأنها أم اعترفت بشرعية الفراق

فراق من تعلم أن الحياة بعده محض احتضار

................

وافترقنا حقا

لا مكان سيجمعنا

لا زمان سيعترف بنا

وأعلم

وتعلم أنت

أننا سنلعن قرارنا

ونلعن اختياراتنا

كنا نراوغ الفراق طيلة سنوات

نتحايل عليه بلقاءات عابرة

برسائل يتيمة

كنا نماطل انعتاق ارواحنا من عهد قيدنا لسنوات

وافترقنا حقا

مرارة هذا اليقين قاتلة

لكن هي الحقيقة التي لا شك ينقضها

كل ما أخشاه يا رفيق الروح

لحظة أن نلفظ آخر نفس

أن يكون الندم

 

ناديا الشراري

10 يونيو 2026م

 

براءة ذمة

وحدك الرجل الذي اليه أنتمي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق